الرسام ولوحة الغروب على ضفاف ابره

الرسام ولوحة الغروب على ضفاف ابره

إنها سنة الحياة وطبيعة الأشياء فلكل حدث بداية ونهاية وها قد حانت اللحظة التي كانت تخشاها كتالونيا بأكملها لحظة وداع إنيستا عندما يقرر الرسام أن ريشته لن تعاود من جديد رسم البسمة على شفاه سكان الاقليم ولن تخط ملامح ألقاب تدفع بالبلوغرانا إلى عرش كرة القدم المحلية والعالمية.

هو حالة نادرة في عالم المستديرة مبدع يملك من الخيال ما قد يعجز أشهر مؤلفي السينما عن مضاهاته أو حتى الإقتراب منه فالسر الأكبر في عظمة أندرياس يكمن في شعورك الدائم بأنه قد شاهد المباراة قبل أن يلعبها ودرس كل ما سيحدث فيها لذا تجده قادرا وببساطة شديدة على الإتيان بغير المتوقع وغير المألوف فكم من تمريرة لزملائه انتزعت الآهات من حناجر الجماهير لأنه الوحيد الذي رأى امكانية لعبها وكم من مراوغة قام بها الرسام لتقلب الوضع من موقف معقد يضغط عليه الخصوم فيه إلى أفضلية هجومية وتفوق عددي لفريقه بعد أن أبهر بها منافسيه قبل عشاقه.

والغريب أن إنيستا يفعل ذلك كله بسهولة ويسر ودون أدنى مجهود للحد الذي يخدعك بل وقد يغريك بتقليده ظنا منك أنك قد تنجح فيه لتكتشف أنه هو من اخترع مصطلح السهل الممتنع. إنه خيال المبدع وعبقرية الفنان.

أما نفسيا فموهبته في ترويض نفسه واخضاعها للروح الرياضية أمر يدرس للأجيال الجديدة ويسيل الكثير من الحبر فلاعب غيره كان من الممكن أن يتمكن منه الغضب وينهي مسيرته الكروية بعد عدم فوزه بالكرة الذهبية رغم قيادته لمنتخب لاروخا للتتويج بكأس العالم 2010 أو أن يصب جام غضبه على زميله ليونيل ميسي الذي حرمه منها أو قد يطلب حتى الرحيل. ولكن ليس مع إنيستا فهذا العبقري يدرك جيدا مكانته التي لا تمس في قلوب الجماهير ويحمل في قلبه حبا جارفا للبارسا أولا ولرفيقه ثانيا فتمكن من تحويل حزنه إلى طاقة إضافية ليصبح أحد أهم ركائز الجيل الذهبي لبرشلونة وأقوى دعائم تألق ميسي ونجاحاته والأرجنتيني يدرك ذلك جيدا بل واعترف به في العديد من المناسبات.

ولا يعود السبب الرئيسي للاحترام الذي يحظى به الرسام من الجميع داخل وخارج إسبانيا فقط لتسجيله هدف الفوز بكأس العالم وإنما أيضا لأنه من القلائل الذين يدركون المعنى الحقيقي للتنافس الرياضي الشريف فهو رغم حماسه وقتاله دائما من أجل فوز فريقه لم يقلل يوما من شأن منافسيه أو يسيء إليهم فهو هادئ متواضع عند الإنتصار قوي ثابت رابط الجأش عند الانكسار.

ولأن إنيستا شأنه كشأن العديد من الأشياء الجميلة التي تتوارى عن أنظارنا وتطوي معها صفحة من ذكرياتنا فليس من الغريب بعد سماعنا لخبر مغادرته أن نراه في مخيلتنا على ضفاف نهر ابره أهم أنهار كتالونيا وهو يحرك ريشته ليرسم شمس الغروب وهي تغرق في الماء مودعا الجميع.

تجدون beIN SPORTS على

متوافق مع الهاتف الذكي والكمبيوتر اللوحي

Iphone & iPad

اشتركوا في المجلة الأسبوعية

مقابلة

فهد العتيبي

تتيح لكم خدمة Your Zone الفرصة لطرح أسئلتكم على فهد العتيبي

كيف يتم ذلك؟ تسجلوا في beIN SPORTS Your Zone وكونوا على موعد مع "المقابلة"، وسيتم طرح أفضل الأسئلة على ضيفنا!

تسجيل