" أنا أفكر إذن أنا ألعب " كتاب أندريا بيرلو الحلقة الثانية

محبط، مبعد، محذوف، مهزوم، منزوع الفتيل و موضوع جانبا.... إذا كان هناك شخص ما في الميلان حاول إثبات أنني أمر بهذه الحالات و على وشك نهايتي فقد فشل، مثل سفينة تايتانيك صغيرة، لكن شكرا لمن أخطأ الحسابات، هذا ما أقوله، إذا لم يكن الرجل الذي قام بتلك الحسابات مجنونا، أو أن الكرة التي تتنبأ بالمستقبل تمت معاملتها بقسوة، فأنا أبدا لم أشعر بأنني مثل الآخرين.... كنت أندريا بيرلو آخر لفترة من الزمن، كنت كما كانوا يريدوني أن أكون، لكن في النهاية لم أكن كذلك، لهذا شعرت أنني أبعدت أكثر بقليل....

منذ أن كنت طفلا، مرورا بمرحلة الشباب حاربت ضد عدة مفاهيم كانت تدور حولي: فريد، مميز، مقدر، لكن لاحقا تعلمت كيف أتعايش مع كل ما يقال عني، و أستفيد منه، لم يكن الأمر سهلا، سواء علي أو على أولئك الذين يحبوني، منذ الصغر كنت أعرف أنني أفضل من البقية، لهذا كانوا يتحدثون عني بشكل أكثر من الآخرين، لا يتحدثون دائما بأشياء إيجابية، العكس أحيانا، كانوا يتحدثون عني بشكل كبير جدا لدرجة أن والدي لويجي كان يهرب من المنصة أثناء مبارياتي لكي لا يستمع لتعليقات الآباء الآخرين، كان يهرب لكي لا تكون لديه ردة فعل سلبية ضدهم، يمشي بسرعة و لا يستمع لأي شخص و لا يتوقف إلا في مكان آمن و هادئ، حتى أمي ليديا لم تنجح في تفادي كل تلك المضايقات (من تعتقدين أن إبنك سيكون مثله؟ مارادونا؟) كان سؤالا يتكرر يوميا على مسامع أمي، كانوا يسألون بدافع الحسد، لكنهم لم يعلموا أنهم كانوا يمنحوني أكبر إشادة في حياتي: مارادونا ! اللعنة.... كأنك تتحدث عن كيشي في الجمنازيوم أو جوردن في كرة السلة و غيرهم، الكبار ضد طفل مثلي، لم يكن تحدي عادل، لم أتمكن من الدفاع عن نفسي جيدا و كنت أفعل تماما كل ما أتهم به، كنت أحاسب على خطأ لم أفعله و تتم حراستي بدرع لا يمكن رؤيته.... تعرضت للعديد من الطعنات و العديد من السموم، منذ أن كنت في 14 من عمري....

أتذكر أنه في أحد مباريات فئة الناشئين، كنت ألعب في بريشيا لكن في تلك المباراة فريق بريشيا لعب كله ضدي، كنت أصرخ: " مرر لي الكرة " لكنه لم يرد علي، ثم أصرخ مرة أخرى: " أنت، مرر لي الكرة " و أيضا الآخر كان صامتا و لم يرد، " حسنا، ما الأمر؟ " و لا زال كل الفريق صامت و لم يرد على صراخي، لم يرد علي أي شخص، زملائي كانوا يلعبون مع بعضهم دون أن يروني، أو بالأحرى كانوا يروني جيدا لكنهم تظاهروا أنهم لم يفعلوا، تجاهلوني فقط لأني أفضل منهم.

وقفت أتسائل كالشبح، شعرت بأنني سأموت، كان هناك تمرد ضدي، لم يتحدثوا معي و لم ينظروا أبدا في إتجاهي...." هل ستعطونني الكرة أم لا؟ ".... لم يردوا علي في المرة الأخيرة، إنفجرت أعصابي و بدأت بالبكاء، في وسط الملعب بدون تردد بكيت أمام 11 من الفريق الخصم و 10 لاعبين من فريقي، إستمريت بالبكاء حتى و أنا أركض، ثم توقفت أيضا و بكيت.... شعرت بالحباط و اليأس، خاصة و أنني كنت في سن الطفولة و المراهقة، هذه الأمور لا يجب أن تحدث أبدا لمن هو في عمري، من هو بعمر 14 عام يجب أن يحقق الأهداف و يفرح، لكن حقيقة أنني كنت مختلف أزعجت الكثيرين.

في تلك المرحلة كنت أعيش بدايات مسيرتي التي كان يمكن أن تأخذ منحنى آخر، في الواقع كان لدي خيارين: الأول أن أغضب و أترك الكرة، و الثاني هو أن أغضب و أستمر باللعب، لكن بطريقتي الخاصة، الخيار الثاني كان يبدوا أكثر ذكاء بالنسبة لي، و أكثر تأثيرا على المدى القريب....إنطلقت لآخذ الكرة بنفسي في المرة التالية، مرة و مرتين و 100 مرة، أنا ضد كل العالم، لا يريدون اللعب معي؟ حسنا سألعب لوحدي، لدي الأسلحة للقيام بذلك طبعا، عشرة لاعبين لم يتمكنوا من التسجيل، بينما أنا لوحدي أستطيع فعل ذلك، كنت أراوغ كل من في الملعب، بما فيهم أولئك الذين يلعبون بنفس قميصي، لم أكن أنوي أن أكون ظاهرة جديدة، الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، لقد كنت أتعامل مع الأمر بغريزتي، ألعب، أمرر، أسجل و أركض أسرع حتى من نفسي أحيانا، كنت مجبرا من ذلك الوقت في كل مرة ألعب فيها أن أثبت شيئا، أن ألعب وفقا لمقاييس عالية، بالنسبة للآخرين عندما يلعبون مباراة عادية فإن الأمر مقبول، لكن عندما ألعب مثلهم فإنني أعتبرها خسارة، كنت أتعب بعض الشيء من طريقة تحركاتي و بعض خطواتي الصغيرة (خطواتي الصغيرة تعني خطوات كبيرة للبقية)....

تلك الإنتفاضة كانت قوتي الدافعة، عادة لا أتحدث لمن حولي، لكن في أحد تلك الأيام حدث شيء مختلف و بدأت أتحدث مع نفسي، خطبة مطولة، أقول في داخلي: " أندريا، لديك قيمة لا يمكن إعتبارها كعبء، أنت أفضل من البقية و يجب أن تكون فخورا، الطبيعة الأم كانت سخية معك لأنك ولدت و أنت جيدا، لديك تلك اللمسة السحرية، هل تريد أن تصبح لاعب كرة قدم؟ هل هذا هو الحلم؟ إذن إذهب و أحصل على تلك الكرة و اهتم بها، إنها تنتمي لك، الحاسدون لا يستحقونها، لأنهم سارقي المشاعر، يجب أن تعيد إمتلاك هذا الجزء في داخلك، كن سعيدا، اصنع من هذه اللحظة لحظة مميزة، إقفز مع والد للناحية المثالية الأخرى، إنطلق اندريا، إنطلق "....

في الحقيقة، حتى هذا اليوم لا أشعر أنني فريد أو أنني لاعب لا يمكن تعويضه، لكن لا يمكنني شرح كل شيء لكل هؤلاء الناس الذين يقومون بدراستي بسطحية كبيرة، لكنني على الأقل وصلت إلى إستنتاج، أعتقد أنني فهمت الأمر: هناك سر و هو أنني أنظر للمباراة بشكل مختلف عن البقية، هي مسألة زاوية نظر، نظرة للمدى البعيد، لمحة أشمل، لاعب الوسط الكلاسيكي ينظر للأمام و يرى المهاجمين، أنا في المقابل عندما أنظر للأمام أرى المساحة التي بيني و بين المهاجم لكي أمرر من خلالها الكرة، تكتيك هندسي بحت، أرى مساحة أكبر فأمرر الكرة بسهولة أكبر، تمت مقارنتي بجياني ريفيرا، يقولون أنه في هذه النقطة أنا أذكرهم به، لم أراه لكي أحكم عليه، حتى في مقاطع الفيديو لم أتابعه، لا أرى نفسي في أي لاعب بصراحة، سواء في الماضي أو الحاضر، لست مهتما بوجود لاعب آخر مستنسخ مني أو العكس، رغم أن الوقت لا زال مبكرا على ذلك.

لا أشعر بالضغوط، ذهنيا لا أتأثر بأي ضغوط، في نهار 9 يوليو 2006 كنت نائما ثم صحوت و لعبت البلاي ستايشن و في مساء ذلك اليوم فزت ببطولة كأس العالم مع الأتزوري، من الناحية الذهنية، معلمي _ دون قصد _ هو لوشيسكو، المدرب الذي أخذني و أنا بعمر 15 عام فقط، من ناشئي بريشيا إلى الفريق الأول مباشرة، وضع طفل في عالم الكبار كنت أتدرب مع لاعبين بأعمار 30 سنة، ضعف عمري مرتين، " أندريا، العب كما تفعل مع الناشئين " هذا أول أمر همس به لوشيسكو في أذني بعدما نقلني للفريق الأول، بدأت بالركض كجندي جيد، لكن هذا لم يعجب الجميع في فريق الكبار في بريشيا، سواء في الملعب أو في غرف الملابس، في أحد التدريبات قمت بمراوغة أحد اللاعبين ثلاث مرات بشكل رائع، الرابعة كانت حاسمة، حينها قام بتدخل قاتل على كاحلي، من غير المعقول القول أنه لم يكن متعمدا أن يدخل على كاحلي بهذا الشكل، لم يكن ليصدقني أي شخص.... نظرت إلى لوشيسكو و غمز لي: " لابأس، حاول مرة أخرى، من فضلك "....

لوشيسكو كان يتعامل معي بلطف، كان يرفع صوته على اللاعبين: " مرروا الكرة لبيرلو، إنه يعرف كيف يتصرف بها " كانت قصة صداقة غريبة بين أداة و شخص، كنت أقوم بأشياء لم يحاولوا حتى القيام بها، في البداية كانت هناك بعض الأرقام لا تخدمني، لكن مع مرور الوقت بدأت أرقامي تتحسن حتى تمكنت من تخطيهم جميعا.... كنت سعيدا خاصة من أجل والدي الذي كان بإمكانه أخيرا أن يحصل على إشتراك في المنصة ليتابع مبارياتي بأريحية على مراتب الجلد، دون أن يحتاج لسدادات الأذن، لأن الحاسدون تركتهم مع الناشئين....

لمتابعة الحلقة القادمة قوموا بالتعليق و التفاعل مع هذه الحلقة من خلال التعليقات و مشاركة الحلقة مع أصدقائكم، كما يمكنكم دعوة أصدقائكم المهتمين بالقراءة و الكرة في آن واحد للانضمام لنا في قادم الحلقات.

تجدون beIN SPORTS على

متوافق مع الهاتف الذكي والكمبيوتر اللوحي

Iphone & iPad

اشتركوا في المجلة الأسبوعية

مقابلة

فهد العتيبي

تتيح لكم خدمة Your Zone الفرصة لطرح أسئلتكم على فهد العتيبي

كيف يتم ذلك؟ تسجلوا في beIN SPORTS Your Zone وكونوا على موعد مع "المقابلة"، وسيتم طرح أفضل الأسئلة على ضيفنا!

تسجيل